الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
100
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ويحتمل أن تكون للملابسة ، أي نبّئوني إنباء ملابسا للعلم ، فالعلم ما قابل الجهل أي إنباء عالم . ولمّا كانوا عاجزين عن الإنباء دلّ ذلك على أنّهم حرّموا ما حرّموه بجهالة وسوء عقل لا بعلم ، وشأن من يتصدّى للتحريم والتّحليل أن يكون ذا علم . وقوله : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي في قولكم : إنّ اللّه حرّم ما ذكرتم أنّه محرّم ، لأنّهم لو كانوا صادقين في تحريم ذلك لاستطاعوا بيان ما حرّمه اللّه ، ولأبدوا حكمة تحريم ما حرّموه ونسبوا تحريمه إلى اللّه تعالى . وقوله : وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ - إلى قوله - أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ عطف على : وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ لأنّه من تمام تفصيل عدد ثمانية أزواج ، والقول فيه كالقول في سابقه ، والمقصود إبطال تحريم البحيرة والسّائبة والحامي وما في بطون البحائر والسّوائب . و أَمِ في قوله : أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ منقطعة للإضراب الانتقالي . فتؤذن باستفهام مقدّر بعدها حيثما وقعت . وهو إنكاري تقريري أيضا بقرينة السّياق . والشّهداء : الحاضرون جمع شهيد وهو الحاضر ، أي شهداء حين وصّاكم اللّه ، ف إِذْ ظرف ل شُهَداءَ مضاف إلى جملة : وَصَّاكُمُ . والإيصاء : الأمر بشيء يفعل في غيبة الآمر فيؤكّد على المأمور بفعله لأنّ شأن الغائب التّأكيد . وأطلق الإيصاء على ما أمر اللّه به لأنّ النّاس لم يشاهدوا اللّه حين فعلهم ما يأمرهم به ، فكان أمر اللّه مؤكّدا فعبّر عنه بالإيصاء تنبيها لهم على الاحتراز من التّفويت في أوامر اللّه ، ولذلك أطلق على أمر اللّه الإيصاء في مواضع كثيرة من القرآن ، كقوله : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [ النساء : 11 ] . والإشارة في قوله : بِهذا إلى التحريم المأخوذ من قوله : حَرَّمَ وذلك لأنّ في إنكار مجموع التّحريم تضمّنا لإبطال تحريم معيّن ادّعوه . وهم يعرفونه . فلذلك صحّت الإشارة إلى التّحريم على الإجمال ، وخصّ بالإنكار حالة المشاهدة ، تهكّما بهم ، لأنّهم كانوا يكذّبون الرّسول صلى اللّه عليه وسلّم فحالهم حال من يضع نفسه موضع من يحضر حضرة اللّه تعالى لسماع أوامره . أو لأنّ ذلك لمّا لم يكن من شرع إبراهيم ولا إسماعيل عليهم السّلام ، ولم يأت به رسول من اللّه ، ولم يدّعوه ، فلم يبق إلّا أنّ يدّعوا أنّ اللّه خاطبهم به مباشرة . وقوله : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً مترتّب على الإنكار في قوله : آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ - إلى قوله - إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا ، أي فيترتّب على ذلك